ابن تغري

6

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

في أنه ولاه نيابة الشام سنة 803 ه ، وهي وظيفة لا يليها إلا أمير من أكابر أمراء الدولة « 1 » . وقد ولى الأمير تغرى بردى هذه النيابة ثلاث مرات آخرها سنة 813 ه . وكان من الصعب على أمير كبير مثل الأمير تغرى بردى في تلك المرحلة القلقة من تاريخ سلطنة المماليك - وهي مرحلة قيام دولة المماليك الجراكسة بما صحبها من حوادث داخلية وخارجية خطيرة - أن يظل بعيدا عن التيارات السياسية المتضاربة ، بين المتنافسين والمتنازعين ، فنسمع أنه عزل عن وظائفه التي وليها أكثر من مرة ، بل لقد حبس ، كما اضطر إلى الفرار من مصر إلى الشام ، ولكنه كان لا يلبث أن يطهر على مسرح الحوادث ليتولى من جديد منصبا خطيرا من مناصب الدولة . وعند وفاة الأمير تغرى بردى سنة 815 ه صلّى عليه السلطان « الملك الناصر فرج وشهد دفنه » وفي جميع المناصب التي تولاها الأمير تغرى بردى « سار سيرة حسنة وكان عنده عقل وحياء وسكون » . هذا فضلا عن حرصه على إحياء شعائر الإسلام ، وهو الحرص الذي جعله يبنى جامعا بحلب ، ويقف عليه قرية اشتراها من بيت المال ، ويخصص له مدرسا شافعيا وآخر حنفيا ، لكل منهما عدد من الطلبة يدرس على يديه « 2 » . وقد وصف المعاصرون الأمير تغرى بردى بأنه كان كثير الحياء والسكون ، حليما عاقلا ، مشارا إليه بالتعظيم في الدولة « 3 » . . . » وحسب الأمير تغرى بردى تكريما أن السلطان الناصر فرج صاهره وتزوّج من ابنته فاطمة ، أخت المؤلف أبى المحاسن يوسف . ونخلص من هذا كله بأن المؤرخ أبا المحاسن يوسف لم يبدأ من الصفر ، وإنما ورث عن أبيه الأمير تغرى بردى اسما رنانا ورصيدا ضخما من السمعة الطيبة في قلوب المعاصرين .

--> ( 1 ) القلقشندي : صبح الأعشى ، ج 4 ص 180 - 184 . ( 2 ) ابن تغرى بردى ، المنهل الصافي ، ( مخطوط ) ترجمة تغرى بردى ، السخاوي ، الضوء اللامع ج 3 ص 29 . ( 3 ) السخاوي ، الضوء اللامع ، ج 3 ص 29 .